غريب فعل الكتابة وصعب حين تعرف أن الثوانى التى تستغرقها فى الكتابة تساوى روح شهيد أو نور عين بطل، أنت تكتب وهم يفعلون، ولكن طالما وزع الخالق الأدوار ، فعلينا أن نفعل ما يجعلنا نشكره على نعمه.
سيدى القارىء المبجل، حين تجد نفسك مستغرباً منطق هذا الشباب المندفع الذى يرفض كل محاولات التهدئة والتنويم والاستعباط التى تمارس حالياً من كثير من الساسة، إعلم حفظك الله أن الفتى الذى خلع قميصه ليرتدى قميصاً غارقاً بالدماء خلعه من على جسد صديقه العشرينى الذى تلقى رصاصة فى وجهه، وعاد بالقميص بعدما أوصل صديقه للمستشفى الميدانى ولفظ أنفاسه هناك بين يديه، هذا الفتى لن يفهم غثاء من يتكلمون عن ضبط النفس أو حسابات المكسب والخسارة، ولن يبقى فى عقله سوى رجاء لله أن يجعله يأخذ حق رفيقه الشهيد الصغير أو أن يلحق به، فهما لم يفترقا منذ سنوات.
سيدى، وأنت تقرأ هذه الكلمات جالساً فى مكتبك أو غرفتك أو سيارتك، اعلم رعاك الله أن هناك فتية يمارسون فعل الحياة الصعب بين رصاصات وغازات وحجارة، جميعها تذهب إليهم بحقد وغل وقسوة وغباء لتحصد أرواحهم، فيستقبلونها بلهفة وشوق وجنون خال من الخوف، شباب حين تشتد الهجمة عليهم كل بضعة دقائق يهتفون بصدق وحب "هيييه.. هنموت".
سيدى، وأنت تمشى بعينيك على السطور، هناك شباب يقفون أمام مدرعات وبنادق وقناصة مدربون، شباب هاج عليهم الرصاص فجأة، فبدأوا فى الجرى هرباً، واحد منهم وهو يجرى كان يهتف "إثبااااااااااات" علّ باقى الشباب يستمدون من هتافه الشجاعة فيقفون طالما هو غير قادر على ذلك، وعاد بعدما اكتشف ما هو فيه، عاد ضاحكاً مبتسماً ليقف فى الصف الأول حينما اكتشف أن الشجاعة الموجودة بداخله تعينه على الوقوف فى وجه كل الجبناء المستترين خلف جنود يموتون ليعيشوا هم.
سيدى المتسائل، من أين يصرف هؤلاء الشباب وكيف يقدرون على البقاء كل هذه الأيام دون أن يكونوا مأجورين مدفوع لهم، اعلم أعزك الله أن شابين على خط المواجهة الأمامى قال أحدهما للآخر وهو يتراجع قليلاً "يا عم أنا ماكلتش بقالى يومين.. ماليش دعوة أنا رايح آكل"، فرد عليه رفيقه "أكل إيه دلوقتى يابن الكلب.. إحنا لازم نرجع دلوقتى عشان مايدخلوش".. وأرجوك أن تعلم أنهما عادا، دون طعام، وحتى تكتمل الصورة عند حضرتك إعلم أن شاباً دخل الميدان يوزع ساندويتشات فول وطعمية اشتراها بنصف النقود التى سيعيش بها هو وزوجته لباقى الشهر، وحين أخرج لفافة بها "1 فول و 1 طعمية" ليعطيها لشاب كان يبدو عليه الإرهاق الشديد مع ساعات الفجر، رفض هذا المرهق بعزة تليق بملك، وأمام إصرار الموزع، أخذ "الواحد فول" وأصر على إعادة "الواحد طعمية" لأن هناك غيره من يحتاجه أكثر منه من وجهة نظره.
سيدى المهتم بالسياسة المتابع لها على شاشات التليفزيون، إعلم وقاك الله شر الفتن، أن أى طرح سياسى يرضيك للخروج من الأزمة "وهم كثر"، لن يستمد شرعيته إلا إن كان خارجاً من بين الكتلة البشرية المرابطة فى ميادين التحرير، وأن أى سياسى يخرج عليك من الشاشة ببدلته الأنيقة وشعره المصفف لن يفهم ما يريد أهل ميادين التحرير إلا حين تتعفر ثيابه معهم، وتدمع عيناه من غاز الأعصاب مثلهم، ويجرى بينهم حين يهجم الغاشمون.
سيدى الرافض للنزول، إن كان رفضك عن قناعة شخصية، فحاول أن تمنطق الأمور مرة أخرى قبل أن تقول لهم "الميدان مش هيطير..روحوا دلوقتى ولو ماعملوش اللى انتم عايزينه ارجعوا تانى" فهم لن يذهبوا هذه المرة إلا منتصرين، بعدما خُدعوا بمثل هذا الكلام مرة سابقة، وتأكد أن ما بين من فى ميادين التحرير وبين من فى سراديب السلطة حالياً هو الدم، ودعنى أضم للكلام الآن صديقك الممتنع عن النزول تنفيذاً لأوامر شيخ أو أمير أو مرشد، واذكركما هداكما الله أن "الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِين" 149سورة البقرة، وفى شهرنا الحرام هذا، وبعد الاعتداء على حرماتنا وبناتنا ونساءنا وأرواحنا وبيوتنا، فنحن نطلب القصاص "السريع"، والعين بالعين والسن بالسن، والبادى أظلم، البادى أظلم، البادى أظلم، وهذا أهم من رأى من أمرك، أو من تتبعه لاغياً عقلك.. استفت قلبك واسأل عن دماء الشهداء ونور عيون الشباب وعرض البنات وحرمة الجثث الطاهرة، وتعلم من ماضيك وانظر لمستقبلك وأعد التفكير.
سيدى القارئ، فى الوقت الذى استغرقته لقراءة ما كتب هنا، صعدت أرواح شهداء للسماء، وفقدت عيون بريقها، وزاد عددنا اضعافا، واقتربنا من النصر خطوات، فافرغ من القراءة واختر مكانك.. فى الميدان.. أو فى خانة الصمت القاتلة التى تساعدهم علينا.
حياك الله
0 شخبطوا انتو بقى:
إرسال تعليق