هل تستطيع اللغة العربية أن تموت، هل يموت الحكى والقص والسرد، هل تموت الحكايات المبنية من لحم ودم، المكتوبة بعرق بشر وروائحهم ولفتاتهم ولزماتهم وتفاصيلهم الصغيرة وخبايا أنفسهم، هل تموت الشوارع والحوارى والأزقة والمنعطفات والقبور والغرز والمقاهى، هل تقدر القرى والنجوع والكفور والمدن والبلاد أن تموت، هل يقدر الموت أن ُيغيب الحضور والبراعة والمتعة والحلاوة، هل للموت سلطان على الأفكار والخيال والصدق والحقيقية والنباهة والرجاحة، هل تموت التفاصيل الصغيرة الموجودة فى نفوس وقلوب وصدور وعيون وعقول ودماء البشر، هل تقدر القصة المحكية بحنكة ومهارة وصدق ومتعة وعذاب أن تموت، هل تقدر الرواية الخارجة من القلب قبل الذاكرة كدفقة واحدة ملؤها الشوق والشجن والحب والألم والأمل أن تموت، هل يموت نهر الكتابة غير المتوقف، هل يموت نبع الحكى السلس السهل المتدفق الغزير، هل تموت الصورة الدرامية الصادقة المأخوذة بحرفية، المعشقة تفاصيلها فى بعضها كقطعة أرابيسك مخدومة ومنحوتة بيد صنايعى حريف ذى موهبة ربانية يعرف كيف ينتقى قطعة خشب أصيلة ليحولها لتحفة فنية بارعة بديعة تسر الناظرين، هل تموت الأساليب اللغوية المنتقاة بعناية من منجم سحرى لا يعرف مكانه سوى من وهب عمره للحكى، هل تموت المنحة الإلهية، هل تموت مصر بما فيها ومن فيها، هل يموت البشر وتموت الحيوانات وتموت المواقف ويموت التاريخ، هل تموت الذاكرة المملؤة بالتواريخ والأحداث والأشخاص، هل تموت السطور والجمل والكلمات الفريدة المتفردة، هل تموت العيون المملؤة بحب الناس وحب الحياة وحب العمل، هل يموت الماضى وهل يموت الحاضر وهل يموت المستقبل الملضومين بعناقيد النور المعلقين على برج البلابل، هل تموت المواجع وتموت الهيصة وتموت المنامات وتموت الصحراء ويموت الفرح ويموت اللؤلؤ ويموت النعناع، هل يموت البسطاء والمطحونون والمنسيون على أرض مصر وفى قلبها، هل تموت أحلامهم ومتاعبهم وأفراحهم المغزولة بالأحزان وأحزانهم المغسولة بالأفراح، هل يموت القلب الذى ينبض بالبشر وحكايات البشر وملامح البشر وتفاصيل البشر وخبايا أنفس البشر ونقاط ضعف البشر، هل تموت علاقات الناس بالناس وحاجة الناس للناس وترابط الناس مع الناس، هل تموت القراءة السهلة المتعبة، هل تموت الكتابة الصعبة البسيطة المدهشة المندفعة بغزارة المتدفقة بلا حساب وكأنما تروى عطش الناس جميعاً لحروف تكتبهم فيقرؤنها وهى فى الأصل تقرؤهم، هل تموت الحنكة والحرفة المتمكنة والتمكن المحترف، هل يموت من منح غيره فرصاً للفهم والوعى والعيش والتثقف والتدبر والتمتع والإحساس والتعلق بالوطن والخوف منه وعليه والتحصن به وبلغته وحكاياته؟
لو كان كل ما فات ممكناً.. وقتها تموت أنت..
أبونا خيرى شلبى .. تعيش إنت.
حاشية: ضحكت وسط البكا وابتسمت له وسط السكوت وأنا بكتب، الراجل اللى ملانى حكايات ومتعة من غير ما نتقابل، ووجعنى وهو فاكر نفسه هيغيب، وأتاريه غلطان، اللى كتب وأمتع وأدهش وربى أجيال ..ماماتش يا عم خيرى.
0 شخبطوا انتو بقى:
إرسال تعليق